محمد ابو زهره

860

خاتم النبيين ( ص )

لقد كان هرقل كما قلنا عالما ، وكان حزاء أوتى علم النجوم ، وعلم الملاحم ، وكان حين قدم من إيلياء ، وهي الأرض التي التقى فيها مع أبي سفيان ومن معه من التجار - خبيث النفس ، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك ، فقال لهم إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر ، وعلم من تحريه أن العرب يختتنون ، فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . وقد أرسل إلى صاحب له برومية على مثل منزلته من العلم . وسار إلى حمص ، فلم يتركها حتى جاءه كتاب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . ونرى من هذا أنه كانت عنده أمارات قد علم بها بعث النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وكانت الصور التي تتراءى له أنه ملك ، ولكن اللّه تعالى قد آتاه ما هو أعظم من ذلك ، وهو النبوة التي تأتى بخير الدنيا والآخرة . وكانت هذه المعلومات سواء أكانت منتجة في ذاتها ، أم غير منتجة فإنها أثرت في نفسه ، وجعلته على استعداد لقبول الحق إذ جاء إليه ، وإن المقدمات هنا ، وإن كانت ظنية في ذاتها قد مهدت لقبول الحق . اقتنع هرقل كما قلنا بأنه الحق ، وأراد أن يعرضه على الملأ من قومه داعيا إليه ، فأذن هرقل لعظماء الروم أن يحضروا في دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع عليهم فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد ، وأن يثبت لكم ملككم ، فاتبعوا هذا النبي . فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت . فلما رأى هرقل نفرتهم ، وأيس من إيمانهم ، قال : ردوهم على ، وغير وبدل من قوله ونيته ، وقال : « إني إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم ، فقد رأيت ، فسجدوا له ورضوا عنه » . وهكذا غلبت عليه الشقوة على الهداية ، ولقد برق له نور الحق وأضاء له ، فلما هم أن يمشى فيه ، وقف الملك وسلطانه ، فكان الظلام بعد النور ، والضلالة بعد الهداية ، وأمر بقتل من قتل من المسلمين وجيّش الجيوش لحرب المسلمين في مؤتة ، وفي تبوك ، ومن بعد ذلك في اليرموك ومهما يكن من أمر نهاية الكتاب بالنسبة لهرقل والملأ من قومه ، فإن الإسلام قد عرف في وسط الرومان ، وعرف في الشام ، وتذاكر به الناس ، وعرف ما كان من هرقل لعظماء ملته ، والنور دائما يخترق الظلام مهما تكن الحجب ، والغياهب والظلمات ، فالكتاب أثمر ثمراته ، وإن لم يكن الإيمان عاجلا ، فإنه آجل والأجل قريب .